الجمعة، 15 فبراير، 2013

عواقب التدخل في الشؤون السورية “على النظام السعودي”


شباب المهجر (مقال) من سكوت ستيوارت -- ترتبط كلا من الحملة العسكرية الفرنسية الحالية لطرد المسلحين الجهاديين من شمال مالي والهجوم الكبير على منشأة الغاز الطبيعي في الجزائر بشكل مباشر بالتدخل الأجنبي في ليبيا الذي أطاح بنظام القذافي. كما أن هناك علاقة قوية بين هذه الأحداث وعدم تدخل القوى الخارجية في مالي عندما قام الجيش بانقلاب في مارس 2012. حدث الانقلاب عندما كان الآلاف من رجال القبائل المدججين بالأسلحة عائدين إلى ديارهم في شمال مالي بعد أن خدموا في جيش معمر القذافي. وأدى وقوع هذه الأحداث في نفس الوقت إلى انهيار الجيش في مالي وانعدام قوة الدفاع في الشمال مما حدا بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وغيرهم من الجهاديين إلى الاستفادة من هذا الوضع للاستيلاء الجزء الشمالي من البلاد الأفريقية.../...

وإلى جانب وقوع جميع هذه الأحداث في شمال أفريقيا كان هناك نوع آخر من التدخل الأجنبي يحدث في سوريا. فبدلا من التدخل العسكري الأجنبي المباشر كالذي حدث ضد نظام القذافي في ليبيا في عام 2011، أو عدم وجود أي تدخل في مالي في مارس 2012، انتهج الغرب – وشركائهم في الشرق الأوسط – نهجا وسطا في سوريا. حيث قامت بتقديم المساعدات اللوجستية إلى جميع الأحزاب السورية المتمردة إلا أنها لم تتدخل بشكل مباشر.

وكما كانت هناك تداعيات للتدخل المباشر في ليبيا وعدم التدخل في مالي ستكون هناك تداعيات للتدخل الجزئي في سوريا أيضاً. وهذه العواقب باتت تصبح أكثر وضوحاً مع استمرار الأزمة.


التدخل في الشؤون السورية

قامت عدة دول مثل الولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر ودول أوروبية أخرى بتقديم مساعدات للمتمردين السوريين لأكثر من سنة حتى الآن. وتنوعت هذه المساعدات ما بين المساعدات إنسانية أو توفير الرعاية والمأوى والغذاء واللوازم الطبية للاجئين. كما قدموا مساعدات عسكرية أخرى للمتمردين مثل أجهزة الراديو والسترات البالستية. ومعاينة الأسلحة في ساحة المعركة تدل على أن المتمردين يتلقوا أيضاً أعداداً متزايدة من المساعدات قاتلة.

على سبيل المثال، أظهرت العديد من أشرطة الفيديو استخدام المتمردين السوريين لأسلحة مثل قاذفة الصواريخ أوسا M79 وRPG-22  وبندقية M-60 عديمة الارتداد و قاذفة قنابل يدوية متعددة RBG-6. وأصدرت الحكومة السورية أشرطة فيديو لهذه الأسلحة بعد الاستيلاء عليها في مخابئ للأسلحة. وما هو مثير للاهتمام حول هذه الأسلحة هو أنها لم تكن في مخزون الجيش السوري قبل الأزمة ومن المرجح أنه تم شراؤها جميعا من كرواتيا. كما عرضت عدة تقارير وصور المتمردين السوريين يحملون بنادق شتاير النمساوية وقد اشتكت الحكومة السويسرية أن القنابل اليدوية السويسرية التي بيعت إلى الإمارات العربية المتحدة في طريقها إلى المتمردين في سوريا.

في الغالب تستخدم الجماعات المتمردة أسلحة مستعملة من المنطقة أو أسلحة تم الاستيلاء عليها من النظام أو تشكيلة من المعدات الحربية التي يصنعونها بأنفسهم إلا أن ظهور وانتشار هذه الأسلحة الخارجية في ترسانات المتمردين على مدى الأشهر القليلة الماضية هو دليل على توريد الأسلحة من الخارج. إن استخدام بندقية شتاير واحدة أو RBG-6 في ساحة المعركة حالة شاذة مثيرة للاهتمام لكن تنوع وكثافة هذه الأسلحة في سوريا لا يمكن أن تعتبر صدفة.

هذا يعني أن مستوى التدخل الخارجي الحالي في سوريا مشابه لمستوى التدخل الذي مارسته ضد الاتحاد السوفيتي الشيوعي ووكلائها الشيوعيين بعد التدخل السوفياتي في أفغانستان. ولا يقدم الدعم الخارجي التدريب أو المساعدات الاستخبارية فقط بل يقدم الأسلحة كذلك -أسلحة خارجية الصنع تدل على استيرادها من الخارج. و من المثير للاهتمام أن أكبر داعمين خارجيين لسوريا وأفغانستان هما واشنطن والرياض- وإن كانت هناك قوى إقليمية أخرى تدعم سوريا مثل تركيا والأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى باكستان.

وقد سمحت أمريكا والمملكة لشركائها في وكالة الاستخبارات الداخلية الباكستانية لتحديد أي من الجماعات المسلحة في أفغانستان أن تتلقى الجزء الأكبر من الأموال والأسلحة. وأدى ذلك إلى أمرين. الأول أن الباكستانيين مولوا وسلحوا الجماعات التي كانوا يعتقدون أنها يمكن أن تكون بديل أفضل في أفغانستان بعد انسحاب السوفييت. الآخر أنها قامت بتقديم الأموال والأسلحة إلى الجماعات الأكثر نجاحا في ساحة المعركة مثل تلك التي يقودها قلب الدين حكمتيار وجلال الدين حقاني اللذين كان نشاطهم في أرض المعركة مرتبطاً بإيمانهم باللاهوت حيث كانوا يعتقدون أنه من الواجب عليهم أن يجاهدوا ضد الكفار وأن الموت في الساحة هو غاية المطلوب.

حدثت عملية مشابهة منذ ما يقرب العامين في سوريا حيث اتجهت جماعات المعارضة الأكثر فعالية في ساحة المعركة لتصبح مجموعات جهادية مثل جبهة النصرة. ليس من المستغرب أنهم تعلموا هذه المهارات والتكتيكات غي قتالهم ضد قوات التحالف في العراق. وعلى الرغم من أن السعودية –وقطر واٌلإمارات- قامت بدور كبير في تمويل وتسليح المجموعات الجهادية بسبب نجاحها في ميدان المعركة أشار زميلي كمران بخاري في فبراير 2012 إلى أن الأوضاع في سوريا أتاحت فرصة كبيرة للجهاديين حتى من دون الدعم الخارجي. إن تمزق الصفوف في المعارضة السورية وفي المقابل توحد أهداف الجهاديين وفعاليتهم في المعركة كانت كافية لجذب مجموعات كبيرة من قوى الجيش الجديدة.

إلا أن هذا ليس العامل الوحيد الأساسي الذي قاد إلى تطرف التمرد السوري. فاندلاع الحرب –خاصة الوحشية منها- كانت السبب الأول الذي جعل المتطرفين من غير المقاتلين أن يشاركوا فيها. وأعتقد أن هذه الدرجة من النضال والمعاناة في الحرب الباردة في أمريكا الوسطى أو التطهير العرقي في البلقان بعد تفكك يوغوسلافيا في معركة ستالينغراد قد تجعل الناس الغير أيديولوجيين أيديولوجيين. فقد رأينا العديد من المسلمين العلمانيين يصبحون جهاديين صارمين في سوريا. أما السبب الثاني فهو انعدام الأمل في تدخل الغرب لإزالة مثيري الشغب والمحافظة على العلمانيين. أصابت الخيبة عدد كبير من المقاتلين الذين علقوا آمالهم على حلف شمال الأطلسي وغضبوا لتجاهل معاناتهم. لذا من غير المستغرب أن يقول المقاتلون السوريون “ماذا فعل الغرب لنا؟ نحن لا نملك سوى الله”.

تسارع نمو الجماعات الجهادية السورية عندما تم الجمع بين هذه العوامل الأيديولوجية مع ضخ الأموال والأسلحة التي تم توجيهها إلى الجماعات الجهادية في سوريا خلال العام الماضي، بشكل كبير. ليس فقط لأنها عامل في ساحة المعركة اليوم، ولكنها أيضا سوف تكون قوة لا يستهان بها في المستقبل.


المناورة السعودية

على الرغم من ردة فعل الجهاديين السلبية التي شهدتها السعودية بعد انتهاء الحرب ضد السوفييت في أفغانستان –وعلى الرغم من أنها يجب أن تأخذ درساً من أن المجاهدين الذين أرسلتهم سوريا لمحاربة القوات الأمريكية في العراق يقودون الآن مجموعات قتالية مثل جبهة النصرة- يبدو أن السعودية قد قامت بحساباتها ورأت أن ارسال المجاهدين إلى سوريا يستحق المخاطرة.

هناك بعض الأمور التي يمكن أن تستفيد منها الرياض بشكل مباشر. الأول، تأمل السعودية أن تكون قادرة على كسر النفوذ الشيعي الذي يصل من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. فبعد خسارتها للقوة السنية المعارضة للسلطة الإيرانية في المنطقة بسقوط صدام حسين وقيام نظام يقوده الشيعة الموالون لإيران، ترى السعودية أن قيام نظام سني في سوريا يمكن أن يحسن أمنها القومي بشكل كبير.

ودعم المجاهدين في سوريا واستخدامهم كسلاح ضد النفوذ الايراني يعطي السعوديين فرصة لتلميع أوراقهم الإسلامية داخليا في محاولة لتفادي الانتقادات بأنها علمانية أو غربية. وهذا يعطي النظام السعودي فرصة ليظهر بأنه يساعد المسلمين الذين يتعرضون لهجوم من النظام السوري.

كما أن دعم المجاهدين في سوريا يعطي السعودية فرصة لإرسال متطرفيها حيث يمكنهم القتال ومواجهة فرصة كبيرة للموت. فمع وجود عدد كبير من العاطلين عن العمل والشباب المتطرفين فإن الجهاد في سوريا يشكل صمام ضغط كالذي كان في العراق والبوسنة والشيشان وأفغانستان. ولا تقوم السعودية بمحاولة غربلة شبابها المضطربين فقط بل وصلتنا تقارير من مصدر موثوق بأن السعودية تقوم بتسهيل سفر اليمنيين إلى معسكرات تدريب في تركيا حيث يتم تحضيرهم قبل إرسالهم للقتال في سوريا. وتشير التقارير أيضا إلى أن الشباب يسافرون مجاناً ويتلقون رواتب لقاء خدمتهم. فهؤلاء الشباب المتطرفون من المملكة العربية السعودية واليمن سيزيدون من قوة المجاهدين بانضمامهم إلى القوات الحديثة.

إن السعودية تحصل على منافع محلية مؤقتة من دعم الجهاد في سوريا –إلا أن الصراع لن يدوم للأبد- كما أنه لن يؤدي إلى وفاة جميع الشباب اللذين ذهبوا للقتال هناك. وهذا يعني أن الرجال الناجون سيعودون إلى وطنهم يوماً ما فمن خلال العملية التي نطلق عليها “الداروينية التكتيكية” فإن المقاتلين غير الكفؤ سيتم استبعادهم وسيشكلون مجموعة من المقاتلين المختصين وسيكون على المملكة التعامل معهم.

ولكن المشاكل التي سيخلفها الجهاديون في سوريا سيكون لها آثار أبعد من آل سعود. فالجهاديون في سوريا سيشكلون تهديدا لاستقرار سوريا كما هو الحال مع الجماعات الأفغانية الت شنت الحرب الأهلية من أجل السيطرة على أفغانستان بعد سقوط نظام نجيب الله. في الواقع أصبحت أعمال العنف في أفغانستان أسوأ بعد سقوط نجيب الله في عام 1992، مما زاد من معاناة المدنيين الأفغان على وجه الخصوص.

وكما نرى الآن فإن القوات الجهادية في ليبيا لا تشكل خطراً على النظام الليبي فقط –حيث أن هناك مشاكل خطيرة في شرق ليبيا- بل تشكل خطراً أيضاً على المصالح أجنبية في البلاد كما رأينا في حدوث الهجوم على السفير البريطاني وبعثة الولايات المتحدة الدبلوماسية في بنغازي. وعلاوة على ذلك فإن الأحداث التي وقعت في مالي والجزائر في الأشهر الأخيرة تبين أن مقر المتشددين في ليبيا والأسلحة التي يمتلكونها تشكل أيضا تهديدا في المنطقة. فيمكن توقع تداعيات مماثلة طويلة الأمد وواسعة النطاق بسبب التدخل في الشؤون السورية.

------------------------
المصدر: مركز ستراتفور
ترجمة مرآة الجزيرة

ليست هناك تعليقات: