الثلاثاء، 19 فبراير 2013

فتـــاوى جاهـــزة.. قنابـــل قاتلــــــة


شباب المهجر (مقال) بقلم: أحمد الحباسى من تونس -- من حقك عزيزي المتابع أن تطالب من الآن وزارة الشؤون الدينية أو وزارة الشؤون الاجتماعيــة و بالتأكيد وزارة الصحة بنصيبك من الفتاوى التي صارت جزءا من منظومة العلاج النفسي و من الثقافة الدينية التي لم يستطع الكثيرون الحصول عليها في المناهج التعليمية سابقا، و من حقك أيضا أن تختار نظام الفتاوى الذي يناسبك و طريقة التسليم السريعة التي يوفرها جهاز مؤسسة الإفتاء في قناة الجزيرة و كثير من قنوات ”فتوى لكل مواطن” التي تتخذ من السعودية مقرها الرئيسي و لها فروع أخرى طبعا في مساحة الأرض العربية الطيبة.../...

طبعا الفتاوى لم تعد ترفا لا يقدر عليه إلا من جمع المال و عدده بل و بفضل بعض وسائل الإعلام المتخصصة و بتعاون وثيق من بعض الشيوخ “المتخصصينالذين أتى بهم هذا النظام العالمي الجديد و أعادهم إلى الواجهة بعد أن كانوا نسيا منسيا في غياهب السجون و المعتقلات و مشردين تائهين في الشيشان و أفغانستان و جزر آسيا و تحت الأرض في عديد الدول العربية صار بإمكانك عزيزي المواطن أن تحصل مجانا على نصيبك من الفتاوى التي من الممكن أن تعكر حالة الكولسترول و ضغط الدم في بداية الأمر و لكن مع الوقت ستجد نفسك مطالبا ببيع كل الكتب و المصاحف النفيسة المركونة لشراء تلك الكتب التي تجدها على أبواب بعض المساجد بيد بعض الملتحين المتطوعين لخدمة الأفكار الوهابية حتى تعيد النظر في إسلامك و في شريعتك…نوع من الباتش الديني يعنى .

عندما قفز الإخوان إلى واجهة الحكم في دول الربيع العربي فهمنا أنه جاء الوقت للدخول في الإسلام “الحقيقي” و أننا أمام فرصة ثمينة جدا للاغتسال من الجنابة الفكرية التي كنا فيها طيلة فترات سابقة و عندما رأينا جبيـن الشــيخ راشد الغنوشى و الشيخ محمد مرسى و الشيخ عبد الحكيم بلحاج تلامس ارض الميعاد التي ظل هؤلاء تائهين عنها طيلة عقود من الزمن أدركنا بالفطنة أننا في حضرة من سيعيدون إلينا فرصة مشاهدة مع حصل زمن العصر الحجري لكن بالألوان “الطبيعية” و عندما تمعنا في وجوه هؤلاء الفاتحون الجدد و تلك الضحكات الصفراء أدركنا بكثير من الوحشة و القشعريرة أننا سنواجه أيام سوداء سوداء سوداء لا محالة .

لا أدرى صراحة لماذا أحس بالخوف عندما أشاهد و أسمع الشيخ القرضاوى و أستشعر مصيبة ستحل في مكان ما في الأرض العربية بمجرد انتهاء فتاويه و لا أدرى أيضا ما سر هذا الجفاء الذهني بيني و بين من صنعت منه قناة الجزيرة و بعض الأتباع المنبه الصوتي المزعج الذي يغرق المنطقة في أتون الخراب و الدمار و القتل مع أنني من الراغبين دوما في سماع الكلمة الطيبة و النصح الديني الوسطى و من المدافعين عن فكرة أن يقوم الدعاة و الناشطون في المجال الديني بدور التوعية في زمن انتشار فضائيات الفساد الأخلاقي و لعل الحدس الوجداني هو من جعل ستارا واقيا بيني و بين هذه الأفكار التي يصيغها الرجل في شكل فتاوى جاهزة بالقطعة و كثيرا من الوقت على المقاس .

نعم الفتاوى التي تطلقها ألسنة البطانة الفاسدة و المؤسسة الاستشارية الدينية في بعض الدول الخليجية هي في كثير من الأحيان مجرد رأى سياسي مغلف بعباءة الدين و أداة يتم توظيفها من طرف بعض المؤتمنين على الشريعة و المفاهيم الدينية لإضفاء الشرعية على بعض الأنظمة العربية و التعتيم المقصود المجرم على كل ما تقترفه من معصية فكرية سياسية أخلاقية اقتصادية تضر بحقوق المواطن و ما نسمعه من فتاوى جاهزة بالمقاس من الشيخ القرضاوى مثلا لا يمكن وضعه الا في خانة استغلال الدين لإغراض الحاكم و لأغراض مشبوهة لا تبتعد كثيرا عن أغراض المشروع الصهيوني في المنطقة الرامي إلى تفتيت الأمة العربية و جعلها قبائل و تجمعات متنافرة متلاطمة متصارعة.

"أصدر الآن فتوى بقتل القذافي.. أي ضابط أو جندي أو أي شخص يتمكن من أن يطلق عليه رصاصة فليفعل ودمه في رقبتي، ليريح الليبيين والأمة من شر هذا الرجل المجنون وظلمه.."، هذه عينة قبيحة من إحدى فتاوى الشيخ القرضاوى و دعوة صريحة للقتل دون مراعاة أي ضابط أخلاقي أو قانوني أو إسلامي صحيح بل أكاد أجزم أن الرجل بنطق هذه الدعوة المجرمة للقتل و قد نطق بأفظع منها قبلا و بعد على فكرة قد نزع عنه كل وقار و موضوعية و أصبح مجرد منتحل صفة دينية لا يختلف كثيرا عن الإرهابيين القتلة الذين نراهم يدقون أعناق الأبرياء بالسيوف و الســواطير في ســوريا و في كثير من الساحات العربية و العالمية رافعين شعارات “دينية” مجتزأة من سياقها الإسلامي الديني الصحيح.

هي دعوة صريحة مكررة للقتل و الاغتيال السياسي لا سند لها إطلاقا في الدين الإسلامي و الشريعة التي نعرفها و نؤمن بها و هي لا تختلف كثيرا عن دعاوى التحريض و الاغتيال التي أهدرت دم الشهيد شكري بلعيد منذ أيام بل هي دعوة مجرمة قانونا لان شيوخ الدين و من يطلقها ليسوا محصنين ضد القانون بل أن علمهم المفترض الذي أصبحنا نشكك في هويته هو ظرف تشديد عند العقوبة الجنائية و إذا كان بعض هؤلاء لم ينل نصيبه من هذه الناحية رغم إفراطه في التحريض الطائفي و المذهبي و الدعوة الصريحة إلى القتل باسم الدين فان عدالة السماء ستنال منهم مهما شيطنوا الفكر الإسلامي و نشروا ثقافة فتاوى الهلاك في أذهان بعض الصعاليك و الإرهابيين.

لعل بعض الأفكار ترى في هذه الفتاوى مواقف دينية صحيحة لكن حقيقة الأمر تفيد بعكس ذلك تماما لأنه لا يوجد دين في الأرض يدفع إلى الاغتيال و ينادى و يحرض عليه و يعطى المشروعية لمن يقوم بهذا الفعل و إذا كان البعض يرون في فتاوى القرضاوى المماثلة موقفا نبيلا و إنسانيا فإنهم مخطئون أخلاقيا و دينيا لأنه لا شيء إطلاقا يبيح الاغتيال و إلا ما فائدة العدالة و مفهوم القصاص القانوني و ما فائدة المحاكمة العادلة وحق المتهم مهما كان إجرامه في محاكمة عادلة.

إن فتاوى التكفير ضد الأفراد و الأنظمة هي جرائم قانونية بامتياز قبل أن تكون جرائم دينية و أخلاقية لأنه ليس من حق أي فرد مهما كانت درجة علمه أن يحسم في أمر العلاقة بين الإنسان و خالقه باعتبار أن الدين الإسلامي و على عكس ما يظـن هــؤلاء و بعد المشردين ذهنيا هو الدين الوحيد الذي لم يضع حاجزا بين المرء و مولاه و بالتالي فمن يعتقدون لمجرد اشتباه أو قولة متسرعة أو مقال فيه بعض الغموض أنه من حقهم الحصرى التعجيل بتكفير من أتاه و الحكم عليه بالإعدام هم مجرمون و مجرد منتحلى صفة.

عندما ينادى الكثيرون باحترام المؤسسة الدينية فنحن لا نختلف مع هذا الطرح الحضاري المنطقي و لكن من واجبنا اليوم و قد بلغ السيل الزبى أن ندافع عن حقنا في التعبير و في مناهضة هذه الفتاوى الكثيرة التي تدعو صراحة إلى الاغتيال و القتل و الطائفية و الفتنة المذهبية تحت ذرائع مختلقة مغلفة بغلاف ديني حتى يمكن للبسطاء و المتشددين القبول بها و تنفيذها في الجسم العربي متسائلين في نفس الوقت حول أسباب صمت عقلاء علماء المسلمين و تحفظهم المشبوه في الإدلاء “بأصواتهم” في هذه المسائل التي أصبحت من أكثر أدوات تنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة و لعلنا لا نتجنى على أحد عندما نقول أن الساكت على الحق شيطان أخرس.

-----------------------------

ليست هناك تعليقات: