الاثنين، 18 فبراير، 2013

الغرب بين دعم الإخوان سياسيا في مصر ...

والمخاوف من الانهيار الاقتصادي


 شباب المهجر (مقال) بقلم: د. أشرف الصباغ -- كل المؤشرات تؤكد أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ستنحاز إلى الطرف الرابح في دول ما يسمى بـ "الربيع العربي" إذا أخذ هذا الطرف مصالح ونصائح ورغبات واشنطن بعين الاعتبار. فالتصريحات الأمريكية منذ ما قبل تنحي حسني مبارك عن السلطة بثلاثة أيام فقط تؤكد ذلك. وتصريحات البيت الأبيض فيما يتعلق بالإخوان المسلمين في مصر بالذات تؤكد أن واشنطن ليس أمامها إلا طريقا واحدا لإدارة ملفاتها مهما كانت تصريحاتها مرنة ومتأرجحة وملتبسة.../...

والمثير هنا أن الولايات المتحدة ومحورها الأورو أطلسي غير مقتنعين إطلاقا بتحركات جبهة الإنقاذ والمعارضة في مصر، وغير عابئين أساسا بحركة الشارع المصري ومطالبه السياسية التي لا تتعارض إطلاقا مع مواثيق حقوق الإنسان والحقوق المدنية والاجتماعية. ويبدو أن هذه التناقضات المثيرة للتساؤلات ناتجة أساسا من رغبة واشنطن في استكمال خطها الواضح في دعم "القوى اليمينية الدينية المتطرفة" في مصر والمنطقة لاعتقاد الكثيرين هناك من أن "القوى الدينية المعتدلة!" قادرة على تقليص مخاطر القوى الدينية المتطرفة. وناتجة أيضا من جهود الرئيس مرسي وجماعة الإخوان في بذل كل الوعود الممكنة والضمانات غير الممكنة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وأوروبا في مصر وفي المنطقة عموما. تلك الجهود التي تتعامل بنجاح إلى الآن مع المعادلة الخارجية بإرسال الرسائل الخادعة إلى الخارج وتصوير ما يجري في مصر على أنه "مكافحة شغب" و"صراع سلطة شرعية منتخبة مع مجرمين وقطاع طرق وأطفال شوارع" و"مواجهة العنف الذي تحرض عليه معارضة ضئيلة الوزن والفاعلية ضد سلطة شرعية".

إن رغبة واشنطن تتلاقى مع جهود الإخوان في الكثير من المحاور والاتجاهات، ما يمنحنا المشهد السياسي الراهن في الداخل المصري. فجبهة الإنقاذ تنهار وتتشتت في هدوء. وهناك بالطبع فارق كبير بين اختلاف الآراء والتوجهات السياسية والاجتماعية في جبهة عريضة تضم تيارات وأحزاب مختلفة، وبين الفشل في إدارة واستثمار ثراء التنوع والاختلاف بسبب الطموحات الصبيانية والرغبات الطفولية. فحزب "غد الثورة" أعلن بشكل نهائي عن توجهاته وانحيازاته. بل وتم تسريب أنباء حول إمكانية زعيم "غد الثورة" أيمن نور تولي منصب رئيس الحكومة في مصر. وهو أمر ممكن بالفعل نظريا، ولكنه في غاية الصعوبة والتعقيد على المستوى العملي. وحزب "الوفد" يطلق إشارات خضراء نحو مكتب الإرشاد وقصر الاتحادية، ويقوم زعيمه السيد البدوي بجولات تفاوضية مكوكية بين الجبهة والرئاسة تارة، وبين زعماء الجبهة وقيادات مكتب الإرشاد تارة أخرى. بينما عمرو موسى يستثمر مبدئية محمد البرادعي بدبلوماسية شديدة لدرجة أن طريق موسى والبرادعي يبدو واحدا ومتجها نحو واشنطن عبر مكتب الإرشاد والرئاسة. ولكن لا أحد يشك في أن طريقي موسى والبرادعي مختلفان حتى وإن لم يتفق الكثيرون مع أي منهما. يبقى حمدين صباحي الذي أعلن، وما زال يعلن، أنه لا يلعب مع النخب، حتى أنه توجه إلى قصر الاتحادية في ذكرى تنحى مبارك أثناء الاشتباكات الدامية هناك. وتتردد أنباء حول صفقات لإبعاد صباحي عن جبهة الإنقاذ مقابل تنازل الرئاسة والإخوان عن بعض المواقف وتحقيق بعض مطالب المعارضة.

على هذه الخلفية، تتواصل الانشقاقات بين القوى السلفية من جهة وبين هذه القوى والإخوان المسلمين من جهة أخرى. فحزب "النور" السلفي يبتعد تدريجيا عن الإخوان، وعن الجبهة السلفية، ويتقارب مع القوى المدنية. بينما تحاول الجماعة الإسلامية الضغط على الإخوان بالتقارب مع تنظيم الجهاد والجبهة السلفية والسلفية الجهادية وحزب التحرير الإسلامي الذي يتمركز في العاصمة السودانية الخرطوم ويباشر نشاطاته عبر عناصره وممثليه في القاهرة.

يبدو المشهد السياسي في مصر الآن وكأن الرئاسة والحكومة في واد، وجبهة الإنقاذ والمعارضة في واد آخر، والشارع المصري بثواره ومتظاهريه ومعتصميه في واد ثالث. فالرئاسة تطالب المعارضة برفع الغطاء السياسي عما تسميه بـ "العنف". وجبهة الإنقاذ والمعارضة تؤكدان أن "الثورة سلمية" وأن "العنف" يأتي من قلة قليلة بين المتظاهرين السلميين!! وأن الجبهة لا تريد إسقاط الرئيس!! بينما الشارع يغلي اقتصاديا واجتماعيا ومعيشيا على خلفية الانفلات الأمني وغياب الدولة ومؤسساتها الأمنية والفشل الكامل للإخوان المسلمين والرئيس مرسي في إدارة الدولة.

تساؤلات بسيطة تتردد الآن على لسان كل المصريين البسطاء الطامحين إلى العدل والعدالة والمطالبين بأبسط حقوقهم المعيشية والاجتماعية: أين الانتخابات التشريعية التي كان من المقرر إجراؤها في فبراير 2013؟ أين الحكومة من الأزمات والانهيارات المتوالية؟ أين النائب العام من قضايا قتل المتظاهرين ومحاكمة قتلة الثوار؟ لماذا يتم الإفراج عن أركان حكم مبارك الآن؟

إن مصر تضم حوالي 3 ملايين طفل من أطفال الشوارع طبقا لاحصائيات منظمات المجتمع المدني‏،‏ يبيتون في الحدائق وتحت الكبارى ووراء المنازل المهدمة وفي المدافن‏. وربما يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير. لم تتمكن الدولة المصرية طوال عشرات السنين من وضع برامج حقيقية لاستثمار هذه الطاقة والتعامل معها بشكل إنساني واجتماعي واقتصادي. هؤلاء الأطفال والشباب آمنوا بالثورة في بدايتها وفي حلم التغيير والحرية والعدالة الاجتماعيه. ولكنهم تحولوا، على خلفية الفوضى الأمنية والاجتماعية، إلى "طرف ثالث وأعداء الشعب ومجرمين ووصمة على جبين الثورة". هكذا يصفهم الجميع من ساسة وتجار دين ونخبة ومثقفين. الجميع ينفر منهم على الرغم من وجودهم الفعلي في الواقع وفي مقدمة الصفوف الأولى في الثورة وفي الاشتباكات والاحتجاجات و"الاحتياجات".

الفقر والأمية والحياة الصعبة حولت كثيرا من المصريين، من سكان العشوائيات والعاطلين عن العمل، إلى مشبوهين ومجرمين فعليين ومحتملين وأطفال شوارع. ولا يتواني الإعلاميون والساسة وتجار الدين عن احتقارهم واتهامهم بأنهم سبب البلاء. وكأن الثورة لابد وأن تشتعل بأيدي الأغنياء والميسورين، وتكون لصالحهم من أجل إعادة توزيع الثروة بينهم، وبينهم فقط.

في الحقيقة، عدد أطفال الشوارع يزيد كثيرا عن الإحصائيات الرسمية. فملايين المصريين يعيشون حالة من الفقر والبطالة ويسكنون العشوائيات والمقابر. وأكثر من 80% - 90% من المصريين لا يختلفون كثيرا عن أطفال الشوارع من حيث المظهر والحالة المعيشية والاجتماعية بنتيجة ظروف ليس لهم يد فيها. فهل فعلا يشوه أطفال الشوارع الثورة؟ ولماذا قامت الثورة أصلا، ومن أجل من؟! هذه التساؤلات يطرحها أطفال الشوارع أنفسهم وسكان المناطق العشوائية والفقراء الذين يتجاوز عددهم 60 مليون نسمة من مجمل تعداد الشعب المصري الذي يصل إلى 90 مليون نسمة.

في لقاءات متعددة مع مصادر قريبة من سفارات غربية في القاهرة، أكدت هذه المصادر أن الاتحاد الأوروبي جاهز تماما لمنح مصر قرض يصل إلى 4 مليار و500 مليون يورو بمجرد أن توقع حكومة هشام قنديل على قرض البنك الدولي لمصر والذي يبلغ 4 مليار و800 مليون دولار. وأكدت نفس المصادر أن فريق الرئاسة في مصر وجماعة الإخوان المسلمين يلقيان دعما غير محدود من الولايات المتحدة وجميع الدول الأوروبية تقريبا. في إشارة واضحة إلى أن ما يجري في مصر من وجهة نظر الإخوان والعواصم الأوروبية وواشنطن هو مجرد تداعيات لما بعد الثورة، ومجرد احتجاجات محدودة من فئات صغيرة تمثل "الثورة المضادة". غير أن الملاحظة الأكثر أهمية من نفس المصادر، هي أن جميع الحلفاء الذين يدعمون الإخوان المسلمين في مصر يعربون عن مخاوفهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تقلب المعادلة القائمة بزاوية 180 درجة. إذ أنه من الصعب أن تعيش مصر (90 مليون نسمة) على المعونات والمساعدات والقروض فقط. وبالتالي، فالعامل الاقتصادي – الاجتماعي هو الفيصل في بقاء الإخوان أو عدم بقائهم على رأس السلطة في مصر، وليس إطلاقا العامل السياسي.

من الواضح أن حالات الانفلات الأمني التي تتسع وتأخذ أشكالا متعددة في مصر لا تشغل الإدارة الأمريكية والعواصم الأوروبية. ما يدفع الكثيرين إلى طرح تساؤلات عن مدى علم أو تواطؤ أو تورط الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الغربية في ما يجري ليس فقط في مصر، بل في جميع دول المنطقة، وبالذات في دول ما يسمى بـ "الربيع العربي". وتقترن هذه التساؤلات بتساؤلات أخرى حول مدى تحقق الأمن في باكستان وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا وسورية والبحرين وتونس! على هذه الخلفية بالذات يرى الكثيرون في مصر أن بلادهم ليست أفضل حالا من أي دولة مرت عليها القوات الأمريكية أو قوات ما يسمى بـ "التحالف الدولي". ففي نهاية المطاف لم تغادر هذه القوات أي بلد إلا وهو مقسم ومهدم ومفتت تماما. بل ويعتقدون أن الدعم الأمريكي – الأورو أطلسي لحكومات ما يسمى في الغرب بـ "الإسلام الديمقراطي الجديد"، ما هو إلا مقدمة لسيناريوهات أكثر تعقيدا قد لا تصل إلى التدخل المباشر كما في أفغانستان والعراق ويوغسلافيا السابقة وليبيا، ولكنها ستكون قريبة من حيث تدمير هذه المجتمعات ثم تركها تحت أنساق سلطة ضعيفة وتابعة في آن واحد.

---
Rt

ليست هناك تعليقات: