الثلاثاء، 12 فبراير، 2013

حكايات مسؤولين أمنيين أطاحــــت بهم «غضبات» الملك

رغم كل الترتيبات الأمنية

 التي ترافق  زياراته


شباب المهجر (تحقيق) أعداد: أحمد امشكح -- يعترف الكثيرون بأن كل زيارة ملكية تشكل اختبارا صعبا للمصالح الأمنية من شرطة ودرك وقوات مساعدة وجيش أيضا. لذلك فقد شرعت هذه المصالح منذ مدة في تنظيم دورات تدريبية خاصة بالزيارات الملكية. وكل زيارة ملكية قد ترفع من شأن هذا الأمني، إذا ما مرت الأمور بدون أخطاء ولا غضبات، لكنها قد تلقي به إلى العقوبة إذا لم يحسن التعامل معها كما يجب. ويتولى الحراس الشخصيون للملك محمد السادس، الذين يرافقونه أينما حل وارتحل مهمة حمايته. يلتصقون به في كل حركاته وسكناته، مع التأهب الدائم للتصدي لكل من يحاول الاقتراب منه أكثر من اللازم، حتى ولو تعلق الأمر بوزارء حكومته.../...

لا يخفي الكثير من رجال الدرك والأمن أن كل زيارة ملكية، هي بمثابة اختبار من نوع خاص تشكل فيه عودة الملك محمد السادس إلى عاصمة ملكه بدون غضب، عنوان النجاح.

ولا يخفي هؤلاء أن نجاح الزيارة الملكية لأي منطقة من مناطق المغرب قد تعفي المسؤول الأمني من القيام بكل المهام الأخرى، لدرجة تصبح معها قيمة هذا المسؤول أو ذاك رهينة بما يحدث خلال زيارة الملك. لذلك ظلت الأخبار عقب كل زيارة تأتينا عن غضبة ملكية جديدة أسقطت هذا المسؤول الأمني أو ذاك لأن خطأ حدث في البروتوكول، خصوصا حينما يصبح هذا الخطأ قاتلا ويعني أمن وحياة الملك.

وغالبا ما وصل الأمر إلى ترقية مسؤول في الأمن أو في الدرك، فقط لأن زيارة ملكية لم تسجل أي خطأ في البروتوكول، وأن الملك عاد من حيث أتى بدون مشاكل ولا غضبة، في الوقت الذي يؤدي فيه بعض الأمنيين الثمن غاليا فقط لأن خطأ خارجيا تسبب في هذه الغضبة. وقد سجل المتتبعون كيف تم تنقيل والي أمن الدار البيضاء الموزوني في السنوات الأخيرة، بعد أن وصل ظرف به قطعة مالية إلى حيث يوجد الملك، وهو الظرف الذي كان يتضمن عددا من نسخ البطائق الوطنية التي كان أصحابها يطمعون في الحصول على مأذونية نقل، بعد أن تفشت ظاهرة ما اصطلح عليه بـ«السمايرية» الذين يركضون خلف الموكب الملكي أينما حل وارتحل.

أما عملية التقييم، فيضطلع بها الثنائي فكري والجعايدي، اللذان يملكان كل المفاتيح كلما تحرك الملك في اتجاه منطقة ما.


ترتيبات خاصة جدا

لتفادي غضبات الملك، بسبب خطأ في البروتوكول، يفترض في كل الأجهزة الأمنية من أمن ودرك أن تتحرك بدون هفوات أو أخطاء مباشرة بعد أن يتسرب خبر الزيارة الملكية لمنطقة من المناطق. وتمتد عملية الإعداد لفترة ما بين الشهر والشهرين، بحسب طبيعة الجهة التي ينوي الملك زيارتها. لذلك لا يخفي رجال أمن ودرك أن كل زيارة ملكية هي امتحان من نوع خاص، والنجاح فيها يعني أن الملك يجب أن يعود إلى عاصمة ملكه بدون غضبة.

 بروتوكوليا، تنطلق العملية بزيارة لجنة من مستشاري الملك، المنطقة التي ينوي زيارتها، والاطلاع على طبيعة المشاريع المزمع تدشينها، وهل تستحق أن يحضر من أجلها الملك. ولذلك كثيرا ما ألغيت زيارات ملكية لهذه المنطقة أو تلك، فقط لأن اللجنة قدمت لمحمد السادس تقريرا غير مشجع، لتنطلق  بعد ذلك المهام الأمنية وهي الأصعب.

ويحكي مقربون من ترتيبات الزيارات الملكية أن أولى المهام الأمنية هي توفير ما يكفي من بيانات وخرائط لكل المنطقة التي سيزورها الملك، أو تلك التي سيمر منها. وهي بيانات يفترض أن تقدم عدد المحولات الكهربائية المتواجدة بالمنطقة، وعدد البالوعات ومجاري الصرف الصحي، وحجمها وطولها، وهل يمكن أن تشكل خطرا على الملك، أو تستعمل في أية عملية إرهابية.

بل إن الطريق التي سيمر منها موكب الملك، يجب أن تخضع لدراسة جيولوجية تتم الإجابة فيها عن سؤال أساسي: هل تقوى تربتها على حمل السيارة المصفحة التي يركبها الملك؟

ثاني المهام الأمنية، والموكولة لرجال أمن ودرك، تتمثل في إحصاء ما يصطلح عليه بالشوائب الأمنية من أشواك، وأشجار كثيفة، وأحجار، وكثبان رملية محيطة بمسار موكب الملك. وهي شوائب قد تفرض توفير رجل أمن بجوار كل واحدة منها أثناء مرور الموكب الملكي، لأنها تصنف ضمن المناطق السوداء والحساسة.

ولا بد أن تتحرك، قبيل وصول الملك أو عبوره من منطقة ما، سيارة تتوفر على نظام الكشف عن كل المعادن المتواجدة تحت الأرض ومعرفة طبيعتها وحجمها. ثم تليها فرق أمنية متخصصة في التنقيب عن المتفجرات بواسطة الكلاب المدربة. ويمنع بعد هذه العملية الاقتراب من المنطقة التي تم مسحها قبل أن يمر موكب الملك. وهي صيغة احتياطية لتفادي أية مشاكل محتملة.


الحماية البشرية للملك

بعد أن تستكمل الجهات الأمنية، من مختلف مصالحها من استعلامات، وشرطة مرور، وشرطة قضائية، وتدخل سريع، وتدخل متنقل، بالإضافة إلى أقسام الشؤون العامة وأعوان السلطة من مقدمين وشيوخ، أولى المهام المتعلقة بالخريطة الأمنية لمنطقة الزيارة، يتم الإعداد لحماية من نوع آخر، هي ما يصطلح عليه بالحماية البشرية.

لا بد أن تقوم مصالح الاستعلامات، كلما تقررت زيارة الملك لمنطقة ما، بدراسة مستفيضة للمشاكل التي تعاني منها الساكنة المحلية، سواء تعلق الأمر بمشاكل اجتماعية أو بيئية أو من أي نوع كانت.

وتمتد الدراسة إلى معرفة ما الذي يمكن أن يقوله سكان المنطقة للملك إذا ما قرر الاقتراب منهم، بل ما الذي يمكن أن يحملوه من شعارات أو لا فتات إذا حل بينهم. لذلك يتم اللقاء برؤساء الجمعيات المتواجدة بالمنطقة، سواء أكانت رياضية أو ذات توجه اجتماعي أو سياسي.

أما المقاهي والمحلات والدور التي سيمر منها موكب الملك، فيجب أن تغلق يوم الزيارة بموجب تعهد يتم توقيعه من طرف المعني بالأمر.

لابد لكل هذه الخريطة الأمنية، سواء ما تعلق منها بالحواجز الطبيعية أو الشوائب الأمنية، أو ما تعلق بالحماية البشرية، أن تصل إلى مصالح الأمن الخاص للملك الذي يقوم باستثمارها ويتولى كل المهام في ظرف تلغى فيه كل النياشين، ولا سلطة تعلو وقتها غير سلطة رجلين هما فكري والجعايدي.

ويحكي أمنيون كيف أن هذا الثنائي، المكلف بتقييم كل زيارة ملكية أمنيا، كثيرا ما قام بتصفية بعض الحسابات بعد زيارة ملكية تصبح فيها كل القرارات مباحة ومبررة، عنوانها الأكبر «حماية شخص الملك».

فالأمنيون، سواء أكانوا شرطة أو دركا، يعرفون جيدا أن مصيرهم معلق بهذه الزيارة، وأن أي خروج عن المخطط المتفق عليه من  قبل الساهرين على أمن الملك، يؤدون عنه الثمن غاليا من ترقيتهم واستقرارهم.

ولا يمكن لأي مسؤول أمني أو مواطن حضر لتتبع الزيارة الملكية، أن يستعمل هاتفه النقال، ولذلك كثيرا ما غضب الملك من أحد حراسه الخاصين وهو يكتشف استعماله لهاتفه. وإن كان جل الذين يحضرون في الصفوف الأمامية أثناء الزيارات الملكية ممن تعرفهم السلطة جيدا، حيث تضعهم تحت المراقبة اللصيقة لرجل من رجالاتها، بل تفرض عليهم ترديد شعارات بعينها لا يجب تجاوزها أو الخروج من منطوقها. كل هذا تحت مراقبة أمنية مشددة.

أما تفاديا لكل احتمال غير مدروس، فإن مصالح الأمن تفرض التشويش على مستعملي الهاتف في المنطقة التي يزورها الملك.


دورات تدريبية حول زيارات الملك

يعترف الكثيرون بأن كل زيارة ملكية تشكل اختبارا صعبا للمصالح الأمنية من شرطة ودرك وقوات مساعدة وجيش أيضا. لذلك فقد شرعت هذه المصالح منذ مدة في تنظيم دورات تدريبية خاصة بالزيارات الملكية.

غير أن كل هذه الترتيبات تصبح غير ذات جدوى إذا ما قرر الملك أن يسوق سيارته بنفسه، أو برفقة صديق، كما ظل عليه الأمر مع فؤاد عالي الهمة، ضمن جولات خاصة.

ولأن محمد السادس عرف برغبته في أن يعامل في الطرقات مثل جميع المغاربة، حيث يفضل أن يتوقف عند الضوء الأحمر، فكثيرا ما يجد رجال الأمن أنفسهم بين أمرين أحلاهما مر.

فالملك يريد أن يعامل مثل جميع المغاربة، وكبار رجال الأمن يسعون لتوفير حماية خاصة له. لذلك كثيرا ما سقط مسؤول أمني في هذا الاختبار، وأدى الثمن غاليا.

أما لتفادي أي إحراج، فقد اهتدى رجال الأمن، في الدار البيضاء خصوصا، بالنظر لما تعرفه من اختناق وحركة مرور واسعة وتحديدا في بعض المدارات، إلى حيلة التخاطب بلغة غير اللغة المتداولة عبر اللاسلكي. وكثيرا ما نابت لغة الإشارات عن ذلك لتوفير حماية أمنية للملك وهو يقوم بجولاته الخاصة، خصوصا في مدن كالدار البيضاء أو تطوان أو طنجة أو مراكش.

كل زيارة ملكية تعني غضبة محتملة على مسؤول أمني، يقول رجل أمن أدى الثمن غاليا.

وكل زيارة ملكية قد ترفع من شأن هذا الأمني، إذا ما مرت الأمور بدون أخطاء ولا غضبات، لكنها قد تلقي به إلى العقوبة إذا لم يحسن التعامل معها كما يجب.


حينما يغضب الملك على حرسه الخاص

في أبريل من سنة 2007, حينما كان محمد السادس يشرف على تدشين سد سيدي محمد بن سليمان في منطقة الصويرة، سيقع واحد من الأخطاء القاتلة في ضمان أمن الملك وسلامته، حينما وجد محمد السادس نفسه وحيدا بداخل سيارته ذات الدفع الرباعي بدون حرس.

فعلى بعد ثمانين كيلومترا من مدينة الصويرة، سيقع خلل غير محسوب بين الشطر الأول من السد والشطر الثاني. لقد اختار سائق سيارة الملك السير في اتجاه السد عن طريق لم تكن ضمن برنامج الزيارة، فيما اختار بقية الوفد طريقا آخر، بمن فيهم حرسه الخاص المكون وقتها من الجعايدي وفكري، ومن المظليين.

المتتبعون اعتبروا ما حدث من الأخطاء الأمنية القاتلة، لأنه لا وجود، لدرجة الصفر، في الحماية الخاصة للملك، كما تقول أدبيات الأمن. والحصيلة هي أن محمد السادس لم يخف غضبه مما حدث، لكنه سيؤجل العقوبة إلى ما بعد.

يوما بعد حادث سد سيدي محمد بن سليمان، سيعود الأمن الخاص للملك ليرتكب خطأ ثانيا.

فحينما كان الملك محمد السادس يغادر مسجد مولاي يوسف بالمدينة القديمة للصويرة، بعد أن أدى صلاة الجمعة، رأى الجعايدي شخصا بلباس مدني وهو يحمل بيده شيئا اعتقد الحارس الشخصي للملك أنه قد يكون سكينا أو مسدسا، ليقفز من أعلى حاجز حديدي ويسقط الشخص أرضا بعد أن أشبعه لكما.

سيتابع الملك كل ما حدث، لكن حينما استفسر عن الأمر، سيجد أن الرجل ذا البدلة المدنية لم يكن غير واحد من رجال الاستعلامات، أما ما كان يحمله في يديه، فلم يكن غير جهاز «الطولكي ولكي».

لم تتأخر عقوبة الملك، حيث سيبادر، قبل التوجه إلى مدينة مراكش بعد الصويرة لتدشين الطريق السيار، إلى إنهاء عمل حارسيه الشخصيين الجعايدي وفكري، لينوب عنهما في المهمة الرجل الثالث في الترتيب محمد مقتبل. أما الجعايدي فقد وضع تحت تصرف مدير الأمن الوطني وقتها، الشرقي الضريس، فيما أحيل فكري على قسم الشؤون العامة للإدارة العامة للأمن الوطني.

ولأن غضبات الملك على حراسه الخاصين لا تنتهي، فقد عاد في رمضان من سنة 2008  ليعاقب حارسه خالد فكري لاستعماله هاتفه الخاص بمقر إقامة الملك بفاس.

فبينما كان محمد السادس يتجول بداخل قصره بمدينة فاس، لحظات قبيل موعد الإفطار، سيلاحظ أن حارسه الشخصي خالد فكري يستعمل هاتفه النقال في الحديث.

غضب الملك من هذا التصرف، خصوصا وأن التعليمات صدرت من قبل بعدم استعمال الهواتف النقالة بداخل الإقامات الملكية والقصور.

كانت العقوبة التي صدرت في حق خالد فكري هي إرساله إلى المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة من أجل إعادة التكوين، قبل أن يصدر عفوه عنه بعد ذلك.

وقد كانت العقوبة التي قضاها فكري هي تلك الفرصة الذهبية التي استغلها الجعايدي في التقرب أكثر من الملك، على الرغم من أنه لم يسلم هو الآخر من ارتكاب جملة من الأخطاء والهفوات وهو يشرف على حراسة محمد السادس.

لقد سبق أن اعتدى على مصور فرنسي حينما كان الملك، وهو وقتها ولي للعهد، في زيارة لفرنسا. وكاد هذا الاعتداء أن يتسبب في أزمة ديبلوماسية بين المغرب وفرنسا.

نفس هذه الأزمة كادت تنفجر بعد أن اعتدى الجعايدي على مواطن أمريكي وأصابه بكسر في رجله في إحدى الزيارات.


كيف يشتغل حراس الملك الخاصون؟

أشهرهم فكري والجعايدي وقبلهم مهراد.. يلازمونه كالظل. إنهم الحراس الشخصيون للملك محمد السادس، الذين يرافقونه أينما حل وارتحل. يلتصقون به في كل حركاته وسكناته، مع التأهب الدائم للتصدي لكل من يحاول الاقتراب منه أكثر من اللازم، حتى ولو تعلق الأمر بوزارء حكومته.

إنهم يرافقون الملك في  كل جولاته الرسمية وغير الرسمية، ويلازمونه حتى أثناء مغادرة التراب الوطني للتفسح والاستجمام، حيث ينصب كل تفكيرهم على توفير الحماية الشخصية له والتصدي لأي مكروه أو أذى, بل والمخاطرة بكل ما أوتوا من قوة ولقنوا من مهارات قتالية وتكتيكات حربية عالية، حتى ولو عرضوا أنفسهم للتهلكة من أجل سلامته.

 وهذه هي أعراف ومفاهيم الأمن الخاص لملوك وأمراء القصر الملكي التي تتم برمجة عقول وأجساد الحراس الشخصيين على التكيف معها والتفاني في تطبيقها.

غير أن الكثيرين يتحدثون عن أن الملك محمد السادس يتضايق في بعض الأحيان من الخناق المضروب عليه من قبل حراسه الشخصيين، والتصاقهم به على مدار ساعات النهار إلى أن يقرر الخلود إلى النوم.

وكثيرا ما حاول، وهو لا يزال وليا للعهد، مغادرة القصر الملكي بسلا، مقر إقامته الدائمة، في سرية تامة، قبل أن يخرج بحذر للاستمتاع بلحظات من التجول ليلا بحرية مطلقة، دون أي إزعاج أو مضايقات، على اعتبار أن الهدف من تطويقه بكل ذلك الحشد الهائل من الحراس الشخصيين المدججين بمختلف أنواع الأسلحة النارية، والمدربين على رياضات قتالية خطيرة، كان  يتلاشى أمام عينيه. ومع كل ذلك، فقد  كان حرسه الخاص يتعقب أثره ويلاحق سيارته قبل أن يكتشف أمرهم فجأة. ولم يكن ولي العهد آنذاك يستسيغ أو يتقبل هذا التصرف الذي يعتبره انتهاكا لخصوصياته وحريته الشخصية، فينهرهم ويوبخهم، ومع ذلك لا يستطيعون الانصراف من أمامه. فالتعليمات المشددة التي كانوا يتلقونها من المراقب العام ادريس مهراد، رئيس الحرس الشخصي لولي العهد آنذاك، والتي كان يتلقاها  بدوره أوامر صارمة من الملك الراحل الحسن الثاني، إذ كانوا يعتبرون أي تقصير في توفير الحراسة الشخصية له جريمة لا تغتفر يمكن أن تجر عليهم ويلات كثيرة.

لقد جمعت بين عزيز الجعايدي وخالد فكري علاقة مودة مع محمد السادس منذ كان لا يزال وليا للعهد. وقد أدى هذا الاحتكاك إلى انفلات زمام التحكم  في هذين الإطارين الأمنيين من طرف محمد المديوري، المسؤول عن أمن الحسن الثاني، الذي يرجع إليه الفضل في ولوجهما بوابة القصر أول مرة.

غير أن هذه المودة لا تلغي غضبات الملك محمد السادس من حارسه الشخصيين لارتكابهما أخطاء مختلفة تسببت في إبعادهما عن محيطه مرات كثيرة، بل إنه قام بإصدار تعليمات صارمة لنقل أحدهما إلى معهد الشرطة بالقنيطرة لإعادة التدريب في إطار الإجراءات التأديبية التي قد تتخذها الإدارة العامة للأمن الوطني، في حق المخطئين أو المخالفين.

لم يكن عزيز الجعايدي وخالد فكري يبحثان في يوم من الأيام عن مهمة حراسة ولي العهد سيدي محمد، ملك البلاد الحالي. إذ ولجا بوابة القصر الملكي في إطار توظيف مباشر في عهد المسؤول عن الأمن الملكي الأسبق محمد المديوري، منتصف التسعينات من القرن الماضي، قدم الأول من إحدى مصالح الشبيبة والرياضة التي كان يشتغل بها مدربا متألقا نال إعجاب الجميع، كما كان لاعبا ماهرا في كرة السلة بالكوكب المراكشي. بينما كان والد الثاني خادما من خدام القصر الملكي وهو الكوماندار صالح فكري، قائد حارس أمن ممتاز اشتغل لسنوات طويلة في القصر مسؤولا عن فريق الشرطة السيمي.

خضع الاثنان في البداية للإجراءات الانتقائية المعتادة، وبعد تفوقهما في الاختبارات تم إلحاقهما بمدرسة الشرطة بسلا، حيث قضيا عدة شهور في تداريب شاقة، دون أن يكونا على علم بما يخبئه لهما الحاج المديوري. فقد قرر إدماجهما في جهاز الحرس الشخصي لولي العهد بعد أن توسم فيهما قدرات ومهارات كبيرة.

 انتقل فكري والجعايدي إلى مصلحة الأمن الخاص بدار السلام بالرباط للخضوع لسلسلة من التداريب الخاصة، تؤهلهما لتأمين الحراسة الشخصية لولي العهد، قبل أن ينتقلا لفرقة من الحراس الشخصيين لمحمد السادس كان على رأسها آنذاك المراقب العام ادريس مهراد، حيث ظلا برفقته منذ تلك الفترة، إلى أن جلس محمد السادس على العرش.

يتلقى الحراس الشخصيون للملك محمد السادس منحا مالية مهمة تتراوح ما بين 15000 و30000 درهم شهريا، وهي بمثابة تعويض عن مرافقته الدائمة، دون احتساب الرواتب التي تصرفها لهم الإدارة العامة للأمن الوطني بالنظر إلى درجاتهم ورتبهم، والتي يبقون تابعين إليها إداريا، خصوصا في ما يتعلق بقرارات الترقية، والتوقيع على إجازات العطل والأمراض ونحوها.

ولا يتردد الملك محمد السادس في منح حراسه مساعدات عينية ومالية من قبيل مأذونيات النقل الحضري، والبقع الأرضية وغيرها. كما أنه لا ينسى منحهم هبات وهدايا في أفراحهم الخاصة.


قصص مواطنين اقتحموا قصور  الملك

حدثت في الدار البيضاء وأكادير وتطوان وطنجة ..

لم تكن رغبة كل الذين وصلوا إلى حيث يوجد الملك محمد السادس تصفيته أو القيام بدور انقلابي ضد حكمه، كما حدث في أكثر من مرة مع والده الحسن الثاني، الذي قاوم الكثير من المحاولات الانقلابية رغم كل الحواجز الأمنية التي كانت تحيط به، ولكنهم كانوا في غالبيتهم يبحثون عن إكرامية من إكراميات محمد السادس، التي عرف بها منذ كان وليا للعهد، حيث ظل مقر إقامته بضواحي سلا محجا للكثيرين ممن يتعقبون مروره لكي ينعموا بعطاياه.

غير أن تكرار هذه العمليات التي عرفتها مدن الدار البيضاء على الخصوص، كما عاشتها قصور تطوان وأكادير، يعيدنا للحديث على أنه بالقدر الذي كان المغاربة يخافون من الملك، أصبحوا يخافون عليه.

تتوزع حراسة الملك في كل تنقلاته عادة على ما يعرف بالأمن الجسدي الفوري الذي يهم حراسه الشخصيين.

وقبل ذلك، هناك الحزام الثاني والثالث من الدائرة الأولى للأمن المباشر، ويتكون من سيارات من الحجم الكبير لتمشيط الموكب الملكي من المتفجرات، وأخرى تحمل أسلحة ثقيلة، لكنها لا تثير الانتباه رغم أنها تحمل تجهيزات لمواجهة أي خطر، بما في ذلك الأسلحة المضادة للصواريخ.

وتتوزع حراسة الملك عبر عدة أجهزة هي الحرس الملكي، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المسلحة الملكية، ثم القوات المساعدة، وبدعم من كل الأجهزة الاستخباراتية.

ففي الدار البيضاء  ومراكش وتطوان وأكادير، كان الملك عرضة للخطر. وعلى الرغم من أن ما حدث كان أخطاء بسيطة لم تكن في خلفيتها أية نية للاعتداء على شخصه، إلا أنها تضعنا في صورة ملك المغرب الذي يمكن أن يجد نفسه وجها لوجه مع أي كان.

حدث هذا في 2005 حينما سرقت سيارة محمد السادس من مرآبها. وحدث بعد ذلك في 2008 حينما اقتحم مهاجرون سريون قصر أكادير خطأ، وحينما تسلل مختل عقلي إلى حيث يوجد الملك في فاس.

وفي 2009 طاردت سيدة الملك إلى داخل مقر إقامته بالدار البيضاء. كما طارده مختل في 2010 إلى حيث يوجد مسبحه الخاص، وآخر في قصر تطوان في نفس السنة. قبل أن يتسلل مهاجر إفريقي في بحر السنة الماضية إلى مقر إقامته بطنجة.

إنها الحكايات التي تثير الخوف، وتسقط في طريقها المسؤولين عن أمن الملك.

 في يونيو من سنة 2005، تسلل لص إلى مقر إقامة محمد السادس بأنفا وإلى مرآب السيارات بداخل الإقامة الملكية، وتمكن من سرقة سيارة صغيرة من نوع «أونو»، بعد أن عجز عن سرقة سيارات أفخم.

غادر اللص بالسيارة أبواب الإقامة، رغم كل الحواجز، بعد أن ادعى أنه من ضمن عمال الصيانة. وبعد أسبوع، وجدت السيارة على جنبات الطريق السيار وهي في حالة سيئة. وعلى الرغم من التحقيقات التي باشرها مدير الأمن الوطني وقتها حميدو لعنيكري، ومدير أمن القصور الملكية محمد مهراد، إلا أنه لم يتم التعرف على اللص الذي عرف كيف يتجنب ظهور صورته عبر كاميرات المراقبة المثبتة بداخل إقامة الملك.

وانتهت القضية إلى جملة من التغييرات التي عرفها أمن الإقامة الملكية في الدار البيضاء.

في 2007 تسلل أحد المواطنين إلى الإقامة الملكية بأنفا ومحمد السادس بداخلها. وحينما كان الملك يتحرك بداخل مقر إقامته، سيفاجئ بشخص أمامه وجها لوجه، حيث سيخرج المواطن من سترة جيبه رسالة استعطاف ويضعها بيد الملك بعد أن قبل يده.

كانت الصدمة قوية كيف تمكن هذا المواطن من القفز على كل الحواجز الأمنية للقصر، والوصول إلى حيث يوجد الملك. لذلك صدرت تعليمات محمد السادس بمعاقبة حراسه الخاصين وإعادة هيكلة الأمن الخاص للملك.

وفي 4 من دجنبر من نفس سنة 2007، تمكن شخصان من دخول مقر الإقامة الخاصة للأمير مولاي رشيد بمناسبة المهرجان الدولي للسينما بمراكش.

ففي الوقت الذي كان فيه الأمير يستعد لاستقبال ضيوفه من المدعوين وكبار السينمائيين لحفل غداء أقيم على شرفهم، وكان يحضره محمد السادس وعقيلته للا سلمى، تمكن هذان الشخصان من الحصول على «بادج» والحضور لمأدبة الغداء، بل والسلام على الأمير قبل أن تنكشف حقيقتهما.

في 2008 دخلت إحدى الشاحنات، التي كانت تضع أرقاما إيطالية بوابة القصر الملكي لمدينة أكادير وبداخلها أربعة شبان كانوا يمتطونها خطأ.

لقد اعتقدوا أن الشاحنة متجهة إلى أوروبا، ولأنهم كانوا يرغبون في الهجرة سريا إلى الفردوس المفقود، فقد تسللوا إليها ليجدوا أنفسهم أمام فوهات بنادق الحرس بعد أن اكتشف كلاب الحراسة أن بداخل الشاحنة كائنات غريبة، خصوصا وأنها كانت تحمل معدات كهربائية ومكيفات هوائية.

لقد كان الأمر يتعلق بإسكافي من مواليد 1983، وعامل من مواليد 1990، وبعاطل وهو من مواليد 1991، وتلميذ وهو من مواليد 1992  ركبوا الشاحنة من ميناء الدار البيضاء طمعا في الوصول إلى ميلانو الإيطالية، ليجدوا أنفسهم بداخل قصر الملك بأكادير.

المثير في حكاية هؤلاء الأربعة، أنهم يتحدرون جميعهم من كاريان طوما بحي سيدي مومن، معقل الذين نفذوا انتحارات 16 ماي سنة 2003. غير أن التحقيقات التي بوشرت معهم كشفت كيف أن حلمهم بالوصول إلى جنة إسبانيا قادهم إلى قصر الملك في أكادير.

في 2008 وحينما أنهى محمد السادس صلاة العيد بمسجد آل فاس ثم غادره، وكالعادة كان لا بد لحراسه أن يركضوا خلف سيارته، أخذ الحماس أحد الشبان، الذي تبين بعد ذلك أنه من المولعين بلعب دور رجل أمن خاص، حيث رفع الحاجز الحديدي وتسلل بهدوء وشرع يركض هو الآخر خلف سيارة الملك لدرجة أنه وصل إلى محور الدائرة الأمنية الملكية، حيث يوجد فكري والجعايدي. ولأنه كان يرتدي بدلة سوداء شبيهة بتلك التي يرتديها أمن الملك، ويضع نظارات شمسية وربطة عنق، فقد واصل مهمته في الركض قبل أن يجد نفسه على مقربة من سيارة الملك ليستوقفه الحراس، ويتبين بعد ذلك أن الأمر يتعلق بشاب يعشق لعب أدوار «البودي كارد» ليس إلا.

 في 2009 اختارت عائشة ازهري، وهي سيدة في مقتبل العمر، أن تطارد بسيارتها، وهي برفقة والدها، سيارة الملك محمد السادس.

لم تكن عائشة تبحث عن إكرامية من إكراميات الملك، كما قالت بعد ذلك، ولكنها كانت تطارده حبا فيه.

لقد واصلت سيرها خلف الملك من القصر الملكي بمنطقة الحبوس بالدار البيضاء إلى مقر الإقامة بأنفا، قبل أن يتم ضبطها واقتيادها إلى مقر الشرطة للتحقيق معها وتوقيعها على تعهد بعدم تكرار عملية المطاردة من جديد.

مباشرة بعد إخلاء سبيلها، ستقرر السيدة عائشة، التي تقول إنها تتحدر من أصول علوية، وتحب الملك ولذلك كانت تتعقب خطواته، أن تقاضي رجل الأمن الملكي الخاص الجعايدي، لأنه أشبعها سبا وشتما، على حد قولها.

حدث هذا في 2009، لكن السيدة عائشة ستوقف عملية المتابعة بعد ذلك.

  في 2010 سيعيش رجال أمن القصر الملكي بالدار البيضاء حكاية غريبة بطلها مختل عقليا ادعى أنه مملوك لجني، هو الذي أشار عليه بالتسلل لقصر الملك.

وبالكثير من الذهاء والذكاء، عرف هذا المسكون كيف يصل إلى حيث المسبح الخاص للملك في غفلة من الجميع. وحينما اعتقل وتعرض للاستنطاق، لم يجد غير القول إنه وصل إلى هذا المكان لأن «مثلت بيرمودا» هو الذي قذف به إلى  داخل القصر، وإنه للعلاج من الجني الذي يسكنه، عليه أن يلتقي محمد السادس.

اعتقل المسكون بالجن، واستنطق وأطلق سراحه بعد أن تم اكتشاف أنه مختل عقليا. أما أمن القصر الملكي فقد تعرض للعقوبة.

 في أبريل 2010 حدث ما لم يكن في الحسبان. لقد قال المغاربة وقتها إنهم بدؤوا يخافون فعلا على محمد السادس، في الوقت الذي كانوا يخافون من الحسن الثاني.

لقد حمل أحد الملتحين بالقرب من القصر الملكي لمدينة تطوان سكينه، وانهال على أحد حراس القصر بضربة أردته قتيلا، قبل أن يحاول مرة ثانية مع زميله. وحينما تم توقيف المعتدي والتحقيق معه تبين،  حسب مجريات التحقيق، أن الرجل يعاني من اضطرابات نفسية، وأنه بدون انتماء سياسي أو إيديولوجي، وأنه أحد المطرودين من إسبانيا حيث كان يعيش ويشتغل. لقد قال هذا البائع المتجول، الذي اعتاد أن يضع سلعته قرب قصر تطوان، إن الشرطي حدق فيه وأحس في نظراته أنه يوجه له اتهاما، قبل أن يخرج سيفه لطعنه. لقد جاء من زاكورة ليستقر في تطوان، قبل أن يهاجر إلى إسبانيا ثم يعود بعد ذلك لمزاولة نفس مهنة البائع المتجول قرب قصر الملك.

حدث هذا في بحر السنة الماضية حينما تسلل مهاجر إفريقي من دول جنوب الصحراء إلى مقر الإقامة الملكية بطنجة.

توجه هذا المواطن مباشرة إلى حيث يوجد مطبخ الإقامة، قبل أن يتم ضبطه واستنطاقه من قبل عدد كبير من رجال الأمن، الذين التحقوا به، والذين اكتشفوا أن هذا المهاجر السري كان يبحث عن الطعام ليس إلا، لذلك اختار التسلل عبر الغابة المحيطة بمقر إقامة الملك.

قال البعض وقتها إن هذا المتسلل هو واحد من رجال الاستخبارات الإسبانية أو الجزائرية. لكن التحقيق، الذي سيسقط بعد ذلك عددا من رجال أمن هذه الإقامة الملكية، كشف أن المتسلل كان يبحث عما يسد به رمقه بعد أن اشتد به الجوع.

------
المساء

ليست هناك تعليقات: