السبت، 2 فبراير 2013

مذبحة القضاء و القضاة في السعودية ...


شباب المهجر (مقال) -- اعتبر الكاتب "عبدالله التميمي" في مقال له صدور الأوامر الملكية الأخيرة الخاصة بعزل قضاة المحكمة العليا برئيسها بمثابة مذبحة للقضاء السعودي. وقال: "كنت جعلت هذا المقال بعنوان (مذبحة القضاء والقضاة على الأبواب)، فلما صدرت الأوامر الملكية الأخيرة والتي تسببت بشرخ كبير في جهاز القضاء واستقلاله، أيقنت أن المذبحة قد بدأت، وأن الأمر بات خطيراً للغاية وأن ما أصدره المجلس الأعلى للقضاء حديثاً من قواعد-مقترحة- للنقل يختصّ بها قضاة محاكم الدرجة الأولى فقط، ما هي إلا المخطط المطلوب تنفيذه بعد إرهاصات وتداعيات عزل قضاة المحكمة العليا برئيسها!!!.../...

وأضاف: "طُرحت هذه القواعد لعموم القضاة؛ لإبداء الملاحظات عليها. وأرجو أولاً أن يتظافر القضاة بتحليلها ونقدها ببيان حسنها وقبيحهاـ فما حك جلدك مثل ظفرك ـ وثانياً بأن تؤخذ ملحوظاتهم بعين الاعتبار.حيث جرى الاعتراض على المواد محل المقال بنسبة تزيد عن الثمانين بالمائة”.

"إن ما تمثله قواعد النقل - المقترحة - إنما هو تمهيد لمذبحة حقيقية في صفوف القضاة ، فبعد سلسلة الاستقالات وطلبات الإعفاء والنقل لوظائف أخرى ، وبعد أوامر العزل الأخيرة، فإن هذه القواعد تمثل ضغطاً آخر على القضاة ، وطريقة جديدة لليّ الذراع ، وتأسيساً لمبدأ خرق استقلال القضاء الذي جاء نظام القضاء في عدة مواد بتأكيده حتى فيسياق تنظيم وتقعيد النقل، فقد جاء في المادة السادسة : " يتولى المجلس الأعلى للقضاء بالإضافة إلى الاختصاصات الأخرى المبينة في هذا النظام ما يلي:

أ ـ النظر في شؤون القضاة الوظيفية ، من تعيين ، وترقية ، وتأديب ، وندب ، وإعارة ، وتدريب ،ونقل، وإجازة ، وإنهاء خدمة ، وغير ذلك ، وفقا للقواعد والإجراءات المقررة ،وذلك بما يضمن استقلال القضاء" انتهى.

بل حين قرر إلتزام القضاة بما نصّ عليه نظام الخدمة المدنية جعل ذلك مشروطاً بألاّ يتعارض ذلك مع طبيعة الوظيفة القضائيّة ، كما جاء في المادة الخامسة والأربعين : (مع عدم الإخلال بما يقتضيه هذا النظام من أحكام ، يتمتّع أعضاء السلك القضائي بالحقوق والضمانات المقررة في نظام الخدمة المدنية ، ونظام التقاعد ، ويلتزمون بما نصّ نظام الخدمة المدنية من واجبات لا تتعارض مع طبيعة الوظيفية القضائيّة)).

الآن لنعد إلى قواعد النقل - المقترحة –

جاء في المادة الثالثة ، الفقرة الثانية : (للمجلس عند الاقتضاء النقل بين محاكم البلد الواحد) ثم جاء في بعض المواد : مصطلح : (النقل للمصلحة العامة) ، ( النقل لمصلحة العمل ).

إن وجود هذه المصطلحات، أعني :(عند الاقتضاء) ، ( المصلحة العامة ) ، (مصلحة العمل) ، وجعلها المعتمد للنقل ، كارثة بذاتها مهما زخرفت ضوابطها لمصادمتها للنصوص النظامية القضائية ولأعظم أركان القضاء وأساساته وهو(استقلال القضاء)، وتعظم الكارثة أن تلك المصطلحات جاءت بلا خطام ولا زمام ودون بيان ما هو المقتضي وحدوده، ودون بيان حدود ومعنى المصلحة العامة، وضوابطها، والفرق بينها وبين مصلحة العمل ... وستكون تلك المصطلحات أدوات فاعلة في " مذبحة القضاة القادمة " ، ولن يتوقف الأمر عند الإنتقام من أيّ قاضي يخالف سياسة المجلس فقط، بل ستكون مدخلاً واسعاً للتدخل في قضايا الناس المنظورة ... والنقل كان - ولا يزال - هو أكبر هموم القضاة... فاتخاذه سلاحاً ماضياً في هذه المذبحة سيكون له أثره البالغ في هدم استقلاليّة القضاء ، ونشر الفساد فيه.

فما الذي يمنع -بعد إقرار تلك القواعد لا قدر الله- من نقل قاضٍ بمحكمة "ثلوث المنظر" جنوباً إلى محكمة "شعبة نصاب" شمالاً…وكل هذا للمصلحة!!!

وما الذي يمنع من نقل قاضً من محكمة"أضم" إلى محكمة "المويه" وبينهما مفاوز وهما في منطقة مكة المكرمة…وكل هذا إما عند الاقتضاء أو للمصلحة!!!

أي هتك لاستقلال القضاء بعد هذا!!! وأي ضغط أعظم على القاضي من تشريده هو وأسرته في أصقاع البلاد!!!

بل أي ثمنٍ سيدفعه القاضي ليظل آمناً في سربه ومستقراً في بلد والديه وأسرته، بل ليستقر في بلد يختاره ليكون سكناه ومرتع طفولة أولاده وتعليمهم ومركزاً لنشر العلم والخير فيه؟؟؟

إن من استقلال القضاء ألاّ يتمّ نقل القاضي إلاّ بموافقته وطلبه ، ودون ذلك فلا يَنْتَقِل من مقرّ عمله إلاّ بترقية لمحاكم الاستئناف وهي الدرجة الثانية في التقاضي ...

إن إشهار سيف "النقل" في جو ضبابي صنعته قواعد ترسخ الفساد وسوء استخدام السلطة، سيلغي أي شكل من أشكال استقلال القضاء، وسيفتح هوة يتسلل منها المتنفذون والمتربصون للتأثير في القضايا المنظورة…وكلما كنتَ أكثر نفوذاً كلما كان الحكم لصالحك…

لقد أوجبت الدولة على نفسها في النظام الأساسي للحكم وفي نظام القضاء حماية استقلال القضاء وتقريره كركن من أركان الدولة، غير أن واضع القواعد المقترحة له نظر غير ما قررته الأنظمة…

علماً أن جميع هذه المصطلحات : (عند الاقتضاء) ، (المصلحة العامة) ، (مصلحة العمل) ، ليس لها وجود في نظام "الخدمة المدنيّة" ، ولا لائحة النقل الصادرة بموجب قرار مجلس الخدمة المدنيّة رقم: 929/1 في 19/10/1424هـ .فحقها الحذف والإلغاء لعدم قانونيتها.

إنها باختصار تمثّل الحالة المزاجيّة لمتّخذ القرار بالنّقل ... وعندما تضيف لها ما سبق من إرهاصات وتمهيد بعزل قضاة أعلى سلطة قضائية في البلد، فالرسالة الموجهة لجميع القضاة: مهما بلغ سوء وتردي وضع القضاء، ومهما رأيتم من الفساد ينخر فيه، فلا يتحدثن متحدث منكم وليلزم كل منكم مكتبه وليرح قلمه.

هنا تكتمل دائرة المذبحة المنظّمة ، وتكتمل البيئة الملوثة والطاردة ، والتي نجح معالي الوزير في تكوينها طوال فترة تكليفه ... ولا أدلّ على نجاحها من سلسلة الاستقالات من رأس الهرم القضائي ، معالي الشيخ صالح بن حميد ، مروراً باستقالات العشرات من القُضاة ، وانتهاءً باستقالة رئيس المحكمة العُلْيا ، الشيخ عبد الرحمن الكلية.

لابُدّ أن يعيَ المجتمع بأنّ الأمر ليس خاصّاً بالقُضاة فقط ، بل هي وسيلة للضغط على القاضي حتى فيما يمارسه من أعمال قضائيّة ، ولم يعُد من الصعوبة نقل أيّ قاضي ودون طلبه من محكمة لأخرى ودون أيّ سبب ظاهر ، سوى قضيّة منظورة بين يديه ، لم يحكم فيها بما تمّ توجيهه به؟!!

فإن لم يكن لولاة الأمر وللمجتمع وقفة جادة تجاه هذه الخروقات المتكررة في استقلال القضاء...

فانتظروا (مذبحة القضاء والقضاة النسخة السعودية).

اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضلّ ، والله وحده المستعان وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة لنا إلا به.

ليست هناك تعليقات: