السبت، 3 يونيو، 2017

دفاعا عن ناصر الزفزافي


بقلم: علي أنوزلا --

ناصر الزفزافي، ابن الشعب، الشاب الفقير الذي لم تسمح له ظروف أسرته الاقتصادية ولا وسطه الاجتماعي بإتمام دراسته، الشاب الذي حمل عاتقه استمرار أطول حراك شعبي يشهده المغرب منذ “الربيع العربي”، يجد اليوم نفسه معتقلا ومتهما ومدانا حتى قبل أن تبدأ محاكمته…/...

ناصر الزفزافي صنع “زعامته” الشعبية على أرض الواقع وداخل صفوف جماهير بلدته، نحتها بكلمات خطابه العفوي والتلقائي والمباشر، وبانخراطه اليومي في كل المسيرات التي شهدتها منطقته، مناضلا، وقائدا، معرضا حياته للخطر، حاملا روحه على كفه ونعشه على كتفه لا يهدأ ولا يتعب ولا يكل ولا يمل من السير والنضال والقيادة خطيبا ومؤطرا و معبئا ومتزعّما.

ناصر الزفزافي صنع “زعامته” الشعبية على أرض الواقع وداخل صفوف جماهير بلدته، نحتها بكلمات خطابه العفوي والتلقائي والمباشر، وبانخراطه اليومي في كل المسيرات التي شهدتها منطقته، مناضلا، وقائدا، معرضا حياته للخطر، حاملا روحه على كفه ونعشه على كتفه لا يهدأ ولا يتعب ولا يكل ولا يمل من السير والنضال والقيادة خطيبا ومؤطرا و معبئا ومتزعّما.”
ناصر الزفزافي، هذا، الشاب العاطل عن العمل، الذي تحول إلى رمز وأيقونة حراك الريف المغربي، تحول إلى “المطلوب رقم واحد” في المغرب وإلى “العدو رقم واحد للأمة” ليس بسبب قيادته لحراك شعبي سلمي استمر زهاء سبعة اشهر، وإنما بتهمة “إهانة خطيب جمعة” !

ففي يوم الجمعة الماضية وبينما كان خطيب الجمعة يقرأ خطبته،حيث جرت العادة في المغرب أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الوصية على القطاع هي من توجه مواضيع خطب الجمعة في جميع مساجد المغرب، انتفض الزفزافي داخل المسجد عندما سمع الإمام يصف الحراك الشعبي في منطقته بـ “الفتنة”، وهو ما جعل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتهمه في بيان رسمي بـ “ز رع البلبة في مساجد الله”، قبل أن يتم تكييف هذه التهمة جنائيا ليصبح الزفزافي مطاردا ومعتقلا ومتهما ومدانا حتى قبل أن تثبت إدانته، لتتكالب عليه الألسن ووسائل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي تتهمه بالخيانة والعمالة والانفصال والإرهاب.. بل وحتى بالتشيع، وكأن التشيع تهمة؟ !

لكن، ليست هذه هي تهم الزفزافي الحقيقية، فهو بالفعل متهم. متهم بسبب شجاعته وكبريائه ونقائه ووفائه لجماهيره وإخلاصه للمبدإ الذي خرج أول يوم للدفاع عنه آلا وهو كشف الحقيقة حول مقتل بائع سمك فقير في بلدته مات مطحونا داخل شاحنة لنقل الأزبال، ومطالبته بمحاكمة المسؤولين عن تلك الجريمة البشعة التي هزت مدينته وما زالت. الزفزافي متهم بالانتفاض ضد “الحكرة” والتهميش والإقصاء والتفقير والفساد.. وهو أمام كل هذه التهم لا يدافع عن براءته لأنه بكل بساطة يعتبر دفاعه عن حرية وكرامة وحق أبناء جلدته شرف له ودين في عنقه وهو الذي كان لا ينسى في آخر كل مسيرة ضخمة يقودها أن يرفع قرآنه و يردد قسمه أمام الجماهير في الساحات والميادين، متعهدا بالوفاء والإخلاص للحراك ومطالب الحراك والثبات على المبدأ وطلب الشهادة.

هذا هو “المجرم الخطير” الذي يريد البعض اليوم شيطنته وتحويله إلى “عدو الشعب” و”عدو الأمة”. لقد أصبح دم هذا الشاب اليوم مفرقا بين القبائل. هناك من يريد أن يتخذ منه مشجبا يعلق عليه فشله كما تفعل السلطة التي تريد أن تحجب بعملية مطاردته واعتقاله “الهليودية” فشل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. والأحزاب السياسية، التي طالما احتقرها ووصفها بـ “الدكاكين السياسية”، تتشفى في اعتقاله ومن بينهما من استبق النيابة العامة والمحكمة وأصدر أحكامه القاسية في من بات يصفه أتباعه بـ “أسد الريف”. وهناك من يريد تحويله إلى كبش فداء يريد التضحية به لإخفاء استسلامه وعجزه وضعفه و انهزامه، بدعوى “المحافظة على الاستقرار” !

ناصر الزفزافي هو عصارة “غضب الريف” (نسبة إلى منطقة الريف بأقصى شمال المغرب)، و هو تعبير صارخ عن فشل السياسيات الاقتصادية و الاجتماعية في منطقته. هو رمز جديد لشباب الغضب في المغرب وفي المنطقة العربية الذي اسقط جدار الخوف وكسر حاجز الصمت وتجاوز “طابوهات” المسكوت عنه في السياسة والحكم .

ناصر الزفزافي، كان حتى قبل اعتقاله، مجرد مواطن بسيط أو “عبد ضعيف” كما كان يحب أن يصف نفسه، وحولته سياسيات الدولة الاقتصادية والاجتماعية إلى ضحية ثم إلى غاضب وإلى محتج ومنتفض، وباعتقاله فإن نفس السلطة، التي تراكم نفس الأخطاء، بصدد تحويل ناصر الزفزافي إلى رمز، ليس في منطقته وإنما في المغرب كله الذي تخرج اليوم المظاهرات الليلية في كل مناطقه تصدح حناجر المشاركين فيها بصوت واحد “كلنا ناصر الزفزافي”.

الزفزافي ليس مجرما وليس إرهابيا، ولم يسرق أي مال عام أو خاص. الزفزافي مناضل نبت في الشارع وكبر وترعرع بسرعة طيلة تسعة أشهر في الميادين والساحات، وتحول إلى رمز وأيقونة رغما عن نفسه، فهو لم يطلب يوما جاها ولم يسعى إلى منصب ولو يتوسل مالا.. كلماته البسيطة والتلقائية كان تعكس ما يمور في صدره من غضب وحنق ضد فساد السياسة والسياسيين. عرف كيف يترجم في لغة بسيطة عربية ودارجة وأمازيغية حالة الغضب التي يشعر بها الآلاف الشباب في منطقة، وأن يجعل من المطالب الاجتماعية لبلدته، والمتمثلة في الحصول على مستشفى لأمراض السرطان، في منطقة تعتبر أكبر بؤرة لاستشراء هذا المرض الفتاك، وبنية جامعية لأبناء منطقته اللذين يضطرون للسفر بعيدا مع قلة ذات اليد لإكمال دراساتهم العليا، شعارات يؤجج بها الصدور ويؤلب بها النفوس حول ما كان يصفه هو في لغته البسيطة بـ “الحراك المقدس”.

ناصر الزفزافي، كان يستحق ومازال يستحق التكريم لشجاعته وجرأته وسلميته، وبدلا من مطاردته واعتقاله والتحقيق معه وشيطنة أفعاله، كان على السلطة أن تبدأ أولا بفتح التحقيق في مطالبه، والبحث عمن سرقوا منه وأمثاله من الشباب حاضرهم ومستقبلهم، كان على السلطة أن تعتقل الفاسدين وتطارد ناهبي ثروات الشعب وتحقق في مآل أموال كل الاستثمارات العمومية التي فاقت 250 مليون أورو، وآخر ها 65 مليون أورو لم تصل ثمارها إلى الزفزافي وأمثاله من فقراء ومن شباب منطقته العاطلين عن العمل.

كان ناصر الزفزافي يردد دائما بأن حراكهم الاجتماعي انتصر، انتصر لأنه حافظ على سلميته طيلة تسعة أشهر، وانتصر لأنه استمر بوتيرة منتظمة وغير منقطعة طيلة نفس الفترة، وانتصر لأن مطالبه ظلت اجتماعية، وانتصر لأن كل محاولات اختراقه وإضعافه فشلت، وانتصر لأن كل رموزه لم يساوموا ولم يتخاذلوا ولم يهٍنوا ولم يتعبوا ولم يخافوا.

كان ناصر الزفزافي يقول: “إذا اعتقلت فقد انتصرت، وإذا اختطفت فقد انتصرت، وإذا عذبت فقد انتصرت، وإذا استشهدت فقد انتصرت”. ولا أتخيل الآن الزفزافي في زنزانته إلاّ منتشيا بانتصاراته هذه كلها، فهنيئا له بها وهنيئا له اليوم الذي سيستعيد فيه حريته لأنه سيخرج من زنزاته أكبر من كل القامات الجبانة التي تطعنه اليوم من الخلف بسكاكين من التشفي والغدر والخدلان..

----------------

مدونات الجزيرة

ليست هناك تعليقات: